بهاء الدين الجندي اليمني
295
السلوك في طبقات العلماء والملوك
بحبشية ، وفيها ابتدأ بمطالعة الشروح وجمع منها ما يزيد على المهذب كتابا سماه ( الزوائد ) وذلك أنه كان قد استشار الإمام زيدا في أي الشروح أحق بالمطالعة وأجمع لما شذ عن المهذب لينسخه فأشار عليه بجمع جميع الشروح الموجودة ، ومطالعتها وانتزاع زوائدها على المهذب ففعل وجمع الكتاب المذكور وفرغ منه سنة عشرين وخمسمائة ، وفي عقيب ذلك حج وزار الضريح المشرف صلوات اللّه على صاحبه ، واجتمع في مكة بالفقيه الواعظ المعروف بالعثماني « 1 » فجرت بينهما مناظرات في شيء من الفقه والأصولين ، وكان العثماني على مذهب الأشعري في المعتقد « 2 » ، وكان الشيخ يحفظ التبصرة غيبا ، أخذها عن شيخه اليفاعي والفائشي ، وكانا يقرئانها أصحابهما وأخذا بها عن البندنيجي فناظر العثماني مرارا وكان الشيخ يقطعه ويقيم عليه الحجة بقوله : إن المسموع المفهوم ليس بكلام اللّه بل عبارة فيحتج عليه بقوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ « 3 » ويقول لفظة هذا لا يكون إلا إشارة إلى موجود عند كافة أهل اللغة ولا يوجد إلّا المسموع المفهوم . ولقد حكي « 4 » أنهما كانا يتناظران في المطاف فمن شدّة إفحام الشيخ للعثماني يمسح جبينه بيده من شدة العرق ثم لما عاد الشيخ إلى اليمن وألف كتاب ( البيان ) أورد فيه عدة مسائل عن العثماني ، ونقل عنه كذلك في تعليقاته وذلك يدل على فضل العثماني وعدالته وجواز الأخذ عنه ، ولو كان قد اعتقد جرحه أو فسقه كما يرى جماعة من الجهال ، يكفرون من خالفهم في المعتقد ولا يقبلون نقله ، لما نقل عنه ولا قبل منه . ولما عاد الشيخ من مكة استخرج كتابه الذي ألفه في الدور من كتاب ابن اللبّان وغيره ثم نظر في كتاب الزوائد الذي كان قد جمعه أولا ، فرأى أنه قد رتبه على شروح المزني ثم أغفل عنه الدور وأقوال العلماء فطالع ذلك وراجعه ، ثم لما كان في سنة ثمان وعشرين ابتدأ بتصنيف ( البيان ) ورتبه على ترتيب محفوظه المهذب ، وكان يقول : لم أجمع الزوائد إلا بعد أن حفظت المهذب غيبا ، وقد ذكرت فيما تقدم أنه قرأ المهذب واللمع على الفقيه عبد اللّه الزبراني وطالع المهذب بعد ذلك وقبل التصنيف
--> ( 1 ) لا أعرف عن العثماني شيئا . ( 2 ) الأشعرية فرقة كبيرة نسبت إلى الإمام علي بن إسماعيل بن سالم بن عبد اللّه بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، وهو صاحب المذهب المشهور بمذهب الأشعرية في العقائد الذي طبق الأرض ولا زال هو الظاهر في الأقطار الإسلامية إلى يوم الناس هذا ، وكانت وفاة الإمام المذكور سنة 324 ه أربع وعشرين وثلاثمائة هجرية . ( 3 ) الإسراء - 9 . ( 4 ) كذا في « د » وفي « ب » وقد حكى .